الأحد، 28 أبريل 2013

"رنا" كلمة سر الانفجار الطائفى القادم

................................................................. ...........................................................................................
.............................................................................. .....................................................................................

النار لم تعد تحت "الرماد" فى "الواسطى" 


"رنا" كلمة سر الانفجار الطائفى القادم 

خطابات الفتاة لوالدها تضاعف الغضب.. وسفرها إلى تركيا يشعل الأزمة 
 رنا حاتم كمال الشاذلي

متابعة - عبدالوهاب شعبان: الأحد , 28 أبريل 2013 16:46 
كانت الشمس تتأهب للغروب مودعة سماء مدينة «الواسطى» الملبدة بغيوم «الطائفية»، والطريق إلى هناك يزداد تباعدا كلما عبرت بذاكرتك متجها إلى موقع الحدث ذكرى دماء على أعتاب الكاتدرائية المرقسية بالعباسية لم يهدأ صراخها بعد.
يميناً حيث لافتة طريق أسيوط الزراعي تعبر بك «سيارة» كوبري الواسطى حديث النشأة الذي يربط ضفتي النيل -شرقا -قرية صول مسقط رأس أول أحداث الفتنة بعد الثورة، وغربا-مدينة «الواسطى» آخر محطات الطائفية بقاسم مشترك بين الحادثتين يأتي في «علاقة عاطفية» بين شاب وفتاة.
في مدخل المدينة ذائعة الشهرة بـ«نشاطها الاقتصادي» تقتبس الشوارع هدوء النيل ،وتسير الحياة على طبيعتها على امتداد شارع الكنيسة الرئيسي المغلق من كافة اتجاهاته بحواجز أمنية عازلة بين المارة وجنود الأمن المركزي، وإلى جوار الشارع يبدو مسجد التحرير ذو المآذن شاهقة الارتفاع ملاصقا تماما لمبنى كنيسة مارجرجس ،يفصل بينهما سور يضاهيه ارتفاعا ،ويظهر من مشهد رأسي التناغم بين المنارة والمئذنة ملخصا التعايش الهادىء الذي قطعته أزمة «رنا حاتم كمال الشاذلي» المعروفة إعلاميا بـ«فتاة الواسطى»،تلك التي أحدثت شرخا في جدار التلاحم المجتمعي بعد تواتر أنباء عن هروبها من منزلها تحت تأثير شاب مسيحي يدعى «إبرام زكي»، ثم تنصيرها ،واتهام الكنيسة في إخفائها وتهريبها للخارج حسبما يشاع بين أهالي المدينة.
في «الواسطى» لا يرتاح التناقض بين زيارة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب شيخ الأزهر لـ«البابا تواضروس الثاني» ظهر أمس الأول بالمقر البابوي تأكيدا على قوة النسيج الوطني بين المسلمين والأقباط، والتظاهر أمام كنيسة مارجرجس الممهور باشتباكات على مدار ساعتين ومحاولات لاقتحامها تزامنا مع لقاء الإمام والبطريرك.
وتبدو معضلة «اختفاء الفتيات» في الجانبين «لغماً» قابلاً للانفجار في وجه الوطن كلما تهيأت ظروف الشحن الطائفي وعجز القانون عن وضع حلول جذرية واقية من اشتعال الرماد.


تعود واقعة اختفاء الفتاة «رنا الشاذلي» إلى 21فبراير الماضي، ذلك التاريخ الذي حمل للمدينة الهادئة احتقانا مزمنا حتى حينه بين المسلمين والأقباط ،وتتجدد دعوات التظاهر أمام قسم الشرطة والكنيسة كل جمعة إدراكا لحشد المصلين.
و«رنا» الطالبة في الفرقة الثالثة بكلية الآداب بجامعة بني سويف تبقى في حضرة الغياب عبر خطابات تنشر على مواقع التواصل الاجتماعي مذيلة بتوقيعها تفيد بأنها تزوجت من شاب يدعى «أحمد» سافرت معه للخارج ،وكانت تنوي العودة لقضاء شهر رمضان مع أسرتها بينما يمنعها تصاعد الأحداث في المدينة والتصعيد الإعلامي الذي يصورها بحسب أقوال أسرتها على أنها بدلت دينها بـ«المسيحية».
تقول الفتاة المختفية في رسالة موجهة لوالدها بحسب الخطاب المنسوب إليها «بابا حبيبي إنت وعمو «علي» تعلمون جيداً سبب تركي للمنزل وخاصة عمو «علي» يعرف جيدا وأرجوكم كفاية تعب ليكم ولىَّ، بابا حبيبي أنا عارفة إنك بتحاول تدور علي في كل مكان وعاوز تجيبني حتى لو كنت تحت الأرض ،لكن بأسلوبك ده مستحيل ياحبيبي ،ده بيبعدني أكتر وبيخوفني أكثر إني أرجع ،بابا حبيبي حافظ على فلوسك ،عيالك محتاجينها بلاش تضيعهم على البلطجية علشان يجيبوني ،إنت بتعدني عنك مش بتقربني ليك «بحبكم»».
في مقابل الخطابات المنسوبة لـ«رنا» تظهر على الجانب الآخر بيانات الحشد ودعوات التظاهر والذي جاء آخرها مساء الخميس الماضي معنونا بـ«نداء عاجل جدا» ـ واعتصموا بحبل الله جميعا ولاتفرقوا».
ويحمل البيان دعوة للتظاهر تنطلق من أمام مسجد التحرير موجهة لـ«كافة المسلمين الغيورين على دينهم» لنصرة الإسلام ،ويتخطى البيان ذاته دعوة أهالي الواسطى إلى نداء لجميع مسلمي المراكز والقرى والمحافظات ،مذيلا بـ«ضرورة إنقاذ المسلمين والإسلام من أيادي النصارى»،وموقعا بعبارة «الدعوة من الجماعات الإسلامية».
مع انتشار البيان سالف الذكر مساء الخميس 26إبريل ،عززت قوات الأمن من تواجدها في محيط كنيسة مارجرجس ،وأغلقت كافة الشوارع المؤدية إليها تحسبا لوقوع اشتباكات إبان محاولات اقتحام للكنيسة ،وهو ماحدث بالفعل وأسفر عن إصابة العقيد حاتم عثمان رئيس مباحث الأموال العامة بـ«كسر في الذراع» ،إلى جانب إصابة 3مخبرين، و3 مجندين من أفراد الأمن المركزي.
وللكنيسة التي أنشأت في 1933 بابان أحدهما رئيسي من ـ شارع الكنيسة ـ والآخر فرعي يفتح على شارع طراد النيل ذوالنصيب الأوفر من التكثيف الأمني ومسقط رأس التظاهر والاشتباكات.
أمام الكنيسة على جانب الرصيف المقابل تتمركز سيارات الأمن المركزي البالغ عددها 13سيارة ،إلى جانب سيارة إطفاء تتوسط الكردون الأمني في محيطها، والاشتباكات التي بدأت في أعقاب صلاة الجمعة استجابة لدعوة التظاهر بقيت آثارها تتقاسمها وجوه جنود الأمن المركزي وملابسهم.
ثمة مشهد إيجابي بين ثنايا أجواء «الفتنة» تلخص في التعامل الأمني غير المسبوق مع الاشتباكات التي كادت نيرانها أن تلتهم استقرار المدينة ،يأتي الدور الأمني في نزول اللواء إبراهيم هديب مدير الأمن إلى محيط التظاهر مساهما في نزع فتيل الاشتباك بين الشرطة والمتظاهرين إحباطا لمحاولة اقتحام الكنيسة.
قرابة الرابعة عصرا شرع بعض المتظاهرين في محاولة لم يكتب لها النجاح باتجاه الاعتداء على محلات الأقباط ،في مشهد تكرر إبان بداية الفتنة، إزاء تصرفات المتظاهرين ألقت قوات الأمن القبض على9أشخاص من بينهم «هاني فخري عبدالباقي» خال ـ «رنا»، ومحمود كمال رمضان، ورجب عبدالتواب جاد، محفوظ عبدالحميد محمد، محمد سيد سعد، عمر مختار هاشم، عيد سيد محمد، وحسن حسين أحمد موسى.
قبيل المغرب أحكمت قوات الأمن سيطرتها على الوضع في محيط الكنيسة، وغادر المتظاهرون، بينما توجه حاتم كمال ـ والد رنا إلى قسم الشرطة، هذا الذي تحول إلى ثكنة عسكرية من كافة اتجاهاته بسبب تكدس سيارات الأمن المركزي.
في الطابق الثاني من قسم الشرطة كانت قيادات الأمن تتمركز في مكتب يلتقيك بمجرد الانتهاء من صعود السلم، بينما اللواء إبراهيم هديب مدير أمن بني سويف يقبع في مكتب على اليسار بنهاية طرقة ضيقة المساحة في اجتماع مع والد الفتاة، وتفاصيل الاجتماع تتلخص في ضرورة التهدئة منعا لاشتعال الأوضاع، مع وعد غير مشروط ببذل أقصى جهد يمكن لإعادة «رنا».
خلال الاجتماع ناقش ـ حاتم الشاذلي ـ إمكانية الإفراج عن خال الفتاة منعا لاشتعال الأوضاع بين أهالي المدينة التي أصبحت قضية «رنا» شغلها الشاغل.

وفي التاسعة مساء توافدت أربعة من سيدات «الواسطى» للسؤال عن ذويهن المقبوض عليهم على خلفية التظاهر ،على أعتاب بوابة قسم الشرطة يبادر أحد الجنود بالإجابة قائلا» الناس في النيابة وهي اللي تقول هيفرج عنهم ولا لأ. تغادر الأربع في صمت بينما تهمس إحداهن قائلة «يلا مفيش فايدة من القعدة هنا».
وعند أهالي المدينة تبدو الرؤية مغايرة تماما لنظيرتها بالنسبة للمسئولين، في الجانب القبطي تسيطر مخاوف العقاب الجماعي لـ«مسيحيي الواسطى» على واقعة المتهم فيها ليس من سكان المدينة، واسرته بالكامل محتجزة على ذمة قضية «خطف الفتاة».
والكنيسة التي تقع تحت حصار الأمن تسعى عبر كافة الطرق إلى إبعاد تهمة «تنصير الفتاة» المتداولة في شارع تنمو فيه مشاعر الاحتقان مع مرور الأيام، وقد تصل إلى ذروتها في حال استمرار الغموض الذي يكتنف غياب ـ رنا.
يقول رامي رمزي أحد التجار الأقباط ـ إن الاحتجاجات بدأت في الواسطى بعد أسبوع من اختفاء الفتاة على خلفية منشورات تحريضية تضمنت عبارات «اليوم أختك، وزوجتك غدا»، و«عودتها أو يرحلوا»، لافتاً إلى أن تلك البيانات وزعت في الأسواق وأسفرت عن أعمال عنف تجاه الكنيسة في أواخر مارس الماضي.
ويضيف رمزي ـ تطورت الأمور تزامنا مع دعوات التظاهر إلى إجبار التجار الأقباط على إغلاق محلاتهم باعتبارها ورقة ضغط لعودة الفتاة ـ حسبما يعتقدون ـ أن الكنيسة وراء إخفائها.
وفي مبادرة شعبية ـ حسبما أفاد شهود عيان- في حضور قيادات الأمن عادت محلات الأقباط إلى ممارسة أعمالها في محاولة لبسط حالة هدوء نسبي على أجواء التوتر المستمر.
إزاء تصاعد القلق الناجم عن تضارب الأنباء حول مصير «رنا» جاء رد فعل بعض مسلمي «الواسطى» أكثر عنفا-بحسب رواية ـ شهود العيان ـ في إلقاء زجاجات المولوتوف الحارقة على مبنى ـ كنيسة مارجرجس-، وحينئذ تمكنت قوات الأمن من السيطرة على الأوضاع دون القبض على المتورطين في الحادث.
في الفترة من أول إبريل حتى الخميس الماضي كانت الهدنة قائمة في ترك محلات الأقباط آمنة دون اعتداءات، بينما في وسط مسلمي القرية أصبحت قضية ـ «رنا» ـ قاسما مشتركا في الأحاديث اليومية بين كافة العائلات، يقول ـ محمود علي ـ سائق توك توك ـ أحد أبناء مدينة الواسطى-رنا كانت شابة حسنة السمعة بين فتيات المدينة، وأسرتها محل احترام الجميع، لافتاً إلى أن غياب الوضوح في قضيتها أدى إلى شعور عام بين الشباب المسلم بعدم الرضا.
واستطرد قائلاً: لم تعد عودتها ذات أهمية بالنسبة لأسرتها فقط، وإنما أصبحت مطلبا لكل عائلات الواسطى.
محمود الذي وصف اختفاء ـ رنا ـ بأنه يمس «الدين» في المقام الأول، قال أن غياب ردود الفعل الجدية في إنهاء الأزمة من شأنه اشتعال الأوضاع إلى حد لا يمكن لأحد أن يتوقعه.
تفاصيل واقعة الاختفاء يكمن فيها الشيطان، بينما يتداول الأهالي تفاصيلاً نقلا عن أسرتها تأتي في العثور على نسخ إنجيل وخطابات من «إبرام زكي» بين كتبها الدراسية، في المقابل شيء أظهرته تحقيقات النيابة في واقعة الاختفاء سوى أن هذا الشاب المسيحي ساعدها على السفر خارج البلاد.
وتبقى الأسئلة التي تكشف بين ثناياها أسرار الغياب حائرة «منزوعة الإجابة»: كيف تم تسفير الفتاة الى الخارج؟ وماهى الجهة التى توجهت اليها وفقا لكشوف المغادرين ؟ ومن كان بصحبتها؟ وكيف تم استخراج جواز سفر لها؟، مشروعية إجابة الأسئلة تتسق تماما مع إعلان وزارة الداخلية عن تواجد «رنا» بتركيا وفقاً لشهادات التحرك.
الهدوء الذي يعود إلى مدينة «مستترا» خلف مدرعات الأمن المركزي، والكردون الأمني في محيط الكنيسة، يبدو محمولا على «نار لم تعد تحت الرماد»، سيكتب إشتعاله قطعا فصل آخر من فصول انهيار «وطن» يقف على فوهة بركان «طائفي».

0 التعليقات:

إرسال تعليق